الغزالي

247

إحياء علوم الدين

ينكر حراما يرهق المنكر عليه إلى مباشرة حرام آخر . فأما قوله : أعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به ، فهذا لا يكون عذرا بل لا بد من الذكر ، فلا يخلو قلب عن التأثر من سماع الإنكار ، واستشعار الاحتراز عند التعبير بالمعاصي ، وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه عنه ، فلا يجوز تركه . ولمثل هذا صار الحزم ترك دخول الحمام في هذه الأوقات ، إذ لا تخلو عن عورات مكشوفة لا سيما ما تحت السرة إلى ما فوق العانة ، إذ الناس لا يعدونها عورة . وقد ألحقها الشرع بالعورة وجعلها كالحريم لها ، ولهذا يستحب تخلية الحمام . وقال بشر بن الحارث : ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ليخلى له الحمام . ورؤي ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام ووجهه إلى الحائط وقد عصب عينيه بعصابة . وقال بعضهم : لا بأس بدخول الحمام ولكن بإزارين : إزار للعورة وإزار للرأس يتقنع به ويحفظ عينيه وأما السنن فعشرة . فالأول النية ، وهو أن لا يدخل لعاجل دنيا ولا عابثا لأجل هوى . بل يقصد به التنظف المحبوب تزينا للصلاة ، ثم يعطى الحمامي الأجرة قبل الدخول فان ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره الحمامي ، فتسليم الأجرة قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين وتطييب لنفسه ، ثم يقدم رجله اليسرى عند الدخول ، ويقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، أعوذ با لله من الرجس النجس ، الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم ، ثم يدخل وقت الخلوة أو يتكلف تخلية الحمام ، فإنه إن لم يكن في الحمام إلا أهل الدين والمحتاطين للعورات فالنظر إلى الأبدان مكشوفة فيه شائبة من قلة الحياء ، وهو مذكر للنظر في العورات ، ثم لا يخلو الإنسان في الحركات عن انكشاف العورات بانعطاف في أطراف الإزار فيقع البصر على العورة من حيث لا يدرى ، ولأجله عصب ابن عمر رضي الله عنهما عينيه ، ويغسل الجناحين عند الدخول ، ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول ، وأن لا يكثر صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فإنه المأذون فيه بقرينة الحال ، والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه لا سيما الماء الحار فله مئونة وفيه تعب ، وأن يتذكر حر النار بحرارة الحمام ، ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحار ساعة ، ويقيسه